تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٠) – د.ياسر محجوب الحسين

0

محجوب عروة

على امتداد نحو نصف قرن من الزمان، ظل محجوب عروة عدّاء حواجز لا يعرف الكلل، يتجاوز العقبات حاجزا بعد آخر بإصرار عنيد وروح شابة لا تخبو. لم تتوقف تلك الروح عند حدود العمر، بل بقيت متقدة، تسكنه عزيمة لا تلين وشغف متجدد بالفعل الصحفي، كأن الزمن يمر من حوله دون أن يثقل خطاه.

ينتمي عروة إلى الجيل الثالث من عظماء ورموز الصحافة السودانية، تلك المدرسة العريقة التي تجاوزت مسيرتها قرنا ونيف من الزمان، وأسست هذه المدرسة لصحافة وطنية حملت همّ البلاد وراكمت الوعي العام. وعروة ناشر ومؤسس صحيفة “السوداني”، تلك الصحيفة التي وُلدت قوية مكتملة الأدوات، كأنها خرجت إلى الحياة بأسنانها، مستندة إلى أحدث التقنيات والأساليب الصحفية المعمول بها عالميا.

عكست “السوداني” شغف محجوب عروة العميق بالمهنة، فلم يبخل عليها بكل ما هو حديث ومتطور، واختار لها أفضل الكوادر الصحفية، إيمانا منه بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مشروعا. غير أنها كانت صحيفة مصادمة، عصيّة على الترويض، لا تميل إلى مهادنة السلطة أو الخضوع لها أو التماهي معها، خاصة حين تكون تلك السلطة غير مؤمنة بحرية الكلمة والتعبير.

وكان لهذا النهج ثمنه الباهظ. فقد دفع محجوب عروة كلفة عالية، ماديا ومعنويا، وهو يستثمر أموالا طائلة في مشروعه الصحفي المتكامل. تعرّضت “السوداني” للإيقاف والمصادرة مرارا، ولم تسلم من ذلك حتى مطابعها الحديثة، فضلا عمّا واجهه من محاكمات واتهامات بالخيانة والتجسس، وهي تهم لا تستقيم مع سيرة محجوب عروة الي تشوبها شائبة ولا مع من يعرفون تاريخه الوطني والمهني. ولو كان الصمود والعناد رجلا يمشي بين الناس، لكان محجوب عروة، إذ لم تُفلح تلك العواصف المتلاحقة في كسر قلمه، ولا في إخماد إيمانه بحرية الكلمة وحق الوطن في صوت مستقل.

واليوم، وبعد عقود طويلة من التجارب والمغامرات الصحفية، لا يزال عروة واقفا في الصفوف الأمامية، يقود مشروعا صحفيا جديدا حمل اسم “السوداني الدولية”، بعد أن انتُزعت منه “السوداني” الأصل، التي أنشأها، وبناها، وسهر على تفاصيلها عاما بعد عام.

ولا يزال محجوب عروة يكتب عموده الشهير “قولوا حُسنًا”، ذلك العمود الذي حمل – ولا يزال – همّ الوطن، وطرح من خلاله المبادرات الوطنية، سعيا لأن يرسو السودان على شاطئ الاستقرار وعبر بجرأة عن وجهة نظره التي يعتد بها. وحتى في خضم الأزمة الراهنة التي فجّرها تمرد مليشيا الدعم السريع، ظلت آراؤه ومبادراته حاضرة، نابعة من حرص صادق على سلامة الوطن ووحدته ومستقبله.إنها سيرة رجل لم يتخلّ يوما عن قناعاته، ولم يساوم على كلمته، فظل اسمه حاضرا كأحد أعمدة الصحافة السودانية، وصوتا وطنيا ظل يكتب للوطن.. وباسم الوطن.

أسامة صالح

في عالم الإعلام الرياضي، حيث تتعانق حماسة الملاعب مع نبض الكلمة المكتوبة والمنطوقة، يسطع نجم أسامة صالح كأحد الوجوه المضيئة التي رسمت ملامح هذا الحقل بشغف وإبداع. هو صحفي رياضي مطبوع، وصاحب مشاريع إعلامية ناجحة، جمع في مسيرته العربية الثرية حصيلة واسعة من الخبرة بين الصحف الورقية والشاشات الفضائية.

يتسم أسامة بأخلاق رفيعة، تشبه النسمة الهادئة التي تُلطّف عواصف المنافسة، وبعلاقات إنسانية متينة مع زملائه من مختلف الجنسيات والثقافات، كأنه جسر يربط بين قلوب الإعلاميين. وفي داخله تقيم مثابرة إنسانية أصيلة، تحوّل الطموحات إلى منجزات ملموسة، كبذرة تشق طريقها في أرض قاحلة لتصير غابة وارفة. إنه رجل يعشق التحدي، ويروي مسيرة حياته كرواية ملهمة، عامرة بالإنجاز والإلهام.

بدأت رحلة أسامة صالح في عالم الصحافة في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حين خطّ كلماته الأولى في صحف القوات المسلحة، كأولى خطوات طفل يتلمس طريقه في درب طويل حافل بالتجارب والمفاجآت. وبعد فترة وجيزة، تبوأ موقع مدير التحرير في صحيفة “المنتخب” الرياضية المتخصصة، حيث صقل أدواته المهنية، ونحت من كلماته صورا نابضة تحكي قصص الرياضيين والمنافسات. ولم تتوقف تجربته عند هذا الحد، بل امتدت إلى صحف أخرى مثل “صوت الشارع” و”الأسبوع”، ليصبح صوته مرآةً صادقة لنبض الشارع الرياضي، ناقلا أفراح الانتصارات ومرارة الهزائم بصدق إنساني يلامس الوجدان.

ومع النصف الثاني من الثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات، انتقل أسامة إلى فضاء الإعلام المرئي، فعمل مذيعا ومقدم برامج ومعلقا رياضيا، أضفى بصوته وحضوره سحرا خاصا على برامج مثل “الرياضة”، “سهرة رياضية”، و”الرياضة للجميع”. كان صوته أشبه بنسيم عليل يحمل أصداء المباريات إلى البيوت، جامعًا العائلات حول الشاشة في لحظات فرح مشتركة.

في نهاية التسعينيات خاض أسامة تجربة الاغتراب حيث تولّى رئاسة القسم الرياضي في تلفزيون عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث برز كقائد ملهم، يدير فرق العمل برؤية واضحة وإصرار لا يلين. وكان

أسامة صاحب الفكرة الرائدة لإطلاق أول نشرة رياضية متخصصة في القنوات الفضائية العربية تحت عنوان “الرابعة والرياضة” عبر تلفزيون عجمان، متوليًا رئاسة تحريرها. وفي زمن كانت فيه الأخبار الرياضية لا تتجاوز كونها فقرة عابرة في النشرات العامة، فتح هو أفقًا جديدًا، كمستكشف يرسم خرائط لعالم لم يُطرق بعد، محولا الرياضة إلى مساحة إعلامية مستقلة نابضة بالتفاصيل والحياة.

لاحقًا، التحق بإدارة برامج قناة أبوظبي الرياضية في مطلع الألفية الجديدة وحتى منتصفها، حيث أسهم بخبرته في رسم ملامح النجاح، وأدار المحتوى والعمليات كفنان ينسج لوحة متكاملة من البرامج والتقارير.

ومع انطلاق قناة “الكأس” القطرية، كان أسامة حاضرا منذ التأسيس، متوليا منصب مدير التنفيذ والتشغيل، وصاحب أفكار العديد من البرامج الرياضية البارزة مثل “الحكم” و”الفارس”. كما عمل محللا رياضيا في عدد من القنوات، وكاتب عمود في صحف عربية وأوروبية، فكان حضوره كالشمس التي تضيء الملاعب، يقرأ الأحداث بعمق إنساني يجمع بين الخبرة والعاطفة، ويروي قصص اللاعبين كأبطال يواجهون التحديات.

وفي مرحلة لاحقة عاد أسامة إلى حضن الوطن محملا بخبرة غنية، وأسس ورأس مجلس إدارة صحيفة “سوكر” الرياضية العالمية، التي تُعد أول صحيفة رياضية يومية ذات طابع عالمي تصدر في الشرق الأوسط من السودان. وقد تصدرت هذه الصحيفة المشهد الرياضي من حيث الانتشار والتوزيع، وحصدت جوائز مجلس الصحافة على مدى عقد كامل من الزمان في العقد الثاني من الألفية، متوجةً مسيرتها بالتميز والدقة والإثارة في تغطية الأحداث العالمية.

ومع بداية العقد الثالث من الألفية الجديدة، تولّى رئاسة مجلس الإدارة والتحرير في صحيفة “أمدر تايمز”الإلكترونية الصادرة من بريطانيا، بمشاركة نخبة من الكتّاب من السودان والوطن العربي، في تجربة تشبه بناء جسر ثقافي يربط الشرق بالغرب. كما يرأس مجلس إدارة صحيفة وموقع “توتو كورة”الصادر من أوروبا، مواصلا توسيع حضوره الإعلامي بإصرار لا يعرف التوقف.

في سيرة أسامة صالح، تتجلى الإنسانية في كل محطة: من شاب طموح بدأ بكلمات بسيطة، إلى إعلامي بارز أسهم في تغيير ملامح الإعلام الرياضي العربي. إنها قصة تؤكد أن المثابرة، حين تمتزج بالإبداع والبلاغة، قادرة على تحويل الحلم إلى واقع ملهم، كرواية تُروى جيلا بعد جيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.