الاعلامية نانسي السيد وهل يخفى القمر!

0

كيف بدأت علاقتك بالإعلام، وما الذي دفعك إلى اختيار هذه المهنة تحديدًا؟
بدأت علاقتي بالإعلام من شغف حقيقي بالكلمة والصوت والحضور أمام الجمهور. لم أنظر إلى الإعلام يومًا باعتباره مجرد ظهور أمام الكاميرا، بل كنت أراه مسؤولية وفرصة للتواصل مع الناس وفهم القضايا من زوايا مختلفة. ومع الوقت اكتشفت أنني أجد نفسي في الحوار، وفي القدرة على طرح السؤال الذي يفتح مساحة جديدة للنقاش. ومن هنا أصبح الإعلام بالنسبة إليّ أكثر من مهنة؛ أصبح جزءًا من شخصيتي.

كانت انطلاقتك عام 2005 عبر قناة NBN اللبنانية. ماذا تتذكرين من تلك التجربة الأولى؟

أتذكرها بكثير من الامتنان. كانت البداية الحقيقية التي وضعتني أمام اختبار المهنة بكل تفاصيلها. في البدايات يكون لديك الحماس، لكنك تكتشف سريعًا أن الكاميرا لا تحتاج فقط إلى حضور، بل تحتاج إلى تحضير وثقافة وسرعة بديهة وقدرة على التحكم بالنفس. أعتقد أن NBN كانت المدرسة الأولى التي جعلتني أتعامل مع الإعلام بجدية ومسؤولية.

كيف أثرت البدايات في NBN في تكوين شخصيتك المهنية أمام الكاميرا؟
علمتني أن الحضور لا يعني أن تكوني صاخبة أو أن تحاولي لفت الانتباه. أحيانًا تكون قوة الإعلامي في هدوئه، وفي قدرته على إيصال الفكرة بثقة من دون مبالغة. كما تعلمت أهمية الالتزام، احترام الوقت، التحضير، والتعامل مع الكاميرا باعتبارها نافذة تصل من خلالها إلى آلاف الناس.

ما أصعب اختبار واجهته في سنواتك الأولى كمذيعة؟

أصعب اختبار كان أن تثبتي نفسك في مهنة لا تعطي ثقتها بسهولة. كان عليّ أن أثبت أن وجودي ليس مرتبطًا بالشكل أو بالصوت فقط، وإنما بما أملكه من معرفة وقدرة على التطور. ومع كل تجربة كنت أكتشف أن أصعب منافسة هي منافسة الإنسان لنفسه.

هل كنتِ منذ البداية تطمحين إلى التنقل بين أكثر من مجال إعلامي، أم أن التنوع جاء نتيجة تطور مسيرتك؟
أعتقد أن الاثنين حصلا معًا. لدي فضول مهني كبير، ولذلك لم أحب أن أحصر نفسي في قالب واحد. بدأت من الأخبار والتقديم، ثم انتقلت إلى الحوار السياسي والبرامج العامة، ثم إلى الفن والمرأة والجمال، وخضت تجربة الإذاعة والتدريب الإعلامي. التنوع بالنسبة إليّ لم يكن بحثًا عن الظهور، بل كان بحثًا عن التطور.

الأخبار والتقديم التلفزيوني

ماذا أضافت لك تجربة تقديم نشرات الأخبار على المستوى المهني والشخصي؟
الأخبار علمتني الانضباط. عندما تقدمين نشرة أخبار، أنت أمام مسؤولية المعلومة قبل أي شيء آخر. تعلمت كيف أكون دقيقة، كيف أقرأ الخبر وأفهمه، وكيف أحافظ على هدوئي حتى عندما يكون الحدث استثنائيًا. وعلى المستوى الشخصي، جعلتني الأخبار أكثر وعيًا بحجم الكلمة وتأثيرها.

برأيك، ما الذي يجعل المذيع قادرًا على الحفاظ على هدوئه وحضوره في الأخبار العاجلة والظروف الاستثنائية؟

التحضير والثقة بالنفس، ولكن قبل كل ذلك المعرفة. عندما يكون الإعلامي فاهمًا لما يقوله، يكون أكثر قدرة على التحكم بانفعاله. في الأخبار العاجلة لا يمكنك أن تسمحي للخوف أو الارتباك بأن يسبق المعلومة. عليك أن تكون حاضرًا ذهنيًا وأن تعرف متى تتكلم ومتى تنتظر.

هل ترين أن مذيع الأخبار يحتاج إلى شخصية مختلفة عن مقدم البرامج الحوارية؟

نعم، هناك اختلاف، لكن الأساس واحد. مذيع الأخبار يحتاج إلى ضبط عالٍ وإيجاز ودقة، بينما مقدم الحوار يحتاج إلى مساحة أكبر من المرونة والاستماع وإدارة الشخصيات. لكن في الحالتين، الثقافة والحضور واللغة وسرعة البديهة عناصر أساسية.

كيف تحافظين على المعلومة والدقة والموضوعية في زمن السرعة الإعلامية؟
بأن لا أسمح للسرعة بأن تجعلني أتنازل عن الدقة. سبق الخبر مهم، لكن صحة الخبر أهم. الإعلامي الحقيقي ليس من ينشر أولًا فقط، بل من يستطيع أن يتحمل مسؤولية ما نشره.

 

تجربة تلفزيون لبنان
انتقلتِ إلى تلفزيون لبنان وقدمتِ برنامج «وزارتنا ورشة عمل».. ماذا أضافت لك هذه التجربة؟
كانت تجربة مهمة لأنها قربتني أكثر من قضايا الناس ومن العمل المؤسساتي. عندما تتناولين عمل وزارة أو مؤسسة، أنت لا تتحدثين عن موضوع نظري، بل عن ملفات تمس حياة المواطن مباشرة. هذه التجربة عززت لديّ فكرة أن الإعلام يمكن أن يكون أداة متابعة ومساءلة، وليس مجرد نقل للأحداث.

كيف تنظرين إلى أهمية الإعلام في إيصال قضايا المواطن ومتابعة أداء المؤسسات؟
أعتبرها من أهم وظائف الإعلام. الإعلام ليس فقط أن يخبر الناس بما حدث، بل أن يسأل لماذا حدث، ومن المسؤول، وماذا يمكن أن يتغير. عندما ينقل الإعلام صوت المواطن بموضوعية، فهو يؤدي دورًا اجتماعيًا حقيقيًا.

هل ترين أن البرامج التي تتناول الشأن العام قادرة على إحداث تأثير حقيقي في المجتمع؟
بالتأكيد، إذا كانت مهنية وجريئة ومسؤولة. ربما لا يظهر التأثير فورًا، لكن طرح السؤال الصحيح أمام المسؤول ووضع القضية أمام الرأي العام يمكن أن يصنع فرقًا. الإعلام لا يملك دائمًا الحل، لكنه يستطيع أن يضع المشكلة تحت الضوء.

محطة قناة آسيا
شكلت قناة آسيا محطة بارزة في مسيرتك.. كيف تصفين تلك المرحلة؟
كانت مرحلة غنية جدًا على المستوى المهني، خصوصًا أنها أعطتني مساحة واسعة في البرامج السياسية والحوارية. من خلال قناة آسيا اختبرت نفسي في أكثر من قالب، وتعاملت مع ضيوف وشخصيات مختلفة، وهذا النوع من التجارب يصقل الإعلامي بشكل كبير.

قدمتِ عبر آسيا عددًا من البرامج السياسية والحوارية مثل «رؤوس أقلام» و«آسيا تواكب» و«آسيا الآن» و«الملف السابع».. أي تجربة كانت الأقرب إلى شخصيتك؟

كل برنامج ترك أثرًا مختلفًا، لكنني أميل بطبيعتي إلى البرامج الحوارية التي تسمح لي بأن أذهب إلى ما وراء العنوان. أحب أن أفهم الشخصية والملف، وألا أكتفي بالسؤال التقليدي والإجابة الجاهزة. لذلك أجد نفسي أكثر عندما يكون هناك حوار حقيقي.

بين الإذاعة والتلفزيون أيهما تفضلين؟ وما الأسباب التي تجعلك تميلين إليها؟
صعب جدًا أن أختار. التلفزيون يعطيك الصورة والحضور والتفاعل البصري، بينما الإذاعة تجعلك تعتمدين على صوتك وشخصيتك فقط. ربما لهذا السبب أحببت التجربتين؛ لأن كل واحدة منهما تختبر جانبًا مختلفًا من الإعلامي.

كيف كنتِ تستعدين للحوار مع الضيوف السياسيين وصناع القرار؟
أقرأ، أبحث، أتابع مواقف الضيف السابقة، وأحاول أن أفهم الملف وليس فقط أن أحفظ مجموعة أسئلة. الأهم بالنسبة إليّ أن أترك مساحة للأسئلة التي يولدها الحوار نفسه، لأن أجمل الحوارات ليست التي تسير حرفيًا وفق الورقة.

ما أصعب نوع من الضيوف بالنسبة إليك: السياسي، أم المثقف، أم الفنان؟
ليس هناك نوع واحد. الصعوبة في شخصية الضيف وليس في مهنته. الضيف الذي يأتي بإجابات جاهزة أصعب أحيانًا من السياسي شديد الجدل. أحب الضيف الذي يفاجئني، لأنه يجعل الحوار حيًا.

عندما يكون الضيف صاحب شخصية قوية أو مثيرة للجدل، كيف تحافظين على توازن الحوار؟
أحترم قوة الشخصية، لكن لا أسمح لها بأن تسيطر على الحوار. دوري ليس أن أدخل في معركة مع الضيف، ولا أن أكون مجرد متلقية. دوري أن أدير الحوار، وأن أطرح السؤال بوضوح، وأن أترك للضيف حق الإجابة، ثم أتابع عندما تكون الإجابة بحاجة إلى توضيح.

هل تعتقدين أن المذيع السياسي يجب أن يكون محايدًا تمامًا، أم أن من حقه أن يمتلك رؤية واضحة؟
الإعلامي من حقه أن يكون لديه وعي ورؤية، لكن عليه أن يميز بين رأيه الشخصي ودوره المهني. في الحوار السياسي تحديدًا، الموضوعية لا تعني أن يكون الإنسان بلا شخصية، وإنما أن يكون عادلًا مع ضيفه ومع جمهوره، وألا يحوّل الحوار إلى منبر شخصي.

الحوار وفن إدارة الضيف
ما القاعدة الذهبية التي تعتمدينها في إدارة أي حوار؟
استمع قبل أن تسأل. أعتقد أن هذه قاعدة أساسية. إذا كنتِ تنتظرين فقط أن ينتهي الضيف لتطرحي سؤالك التالي، فأنت لا تديرين حوارًا، بل تنفذين قائمة أسئلة.

هل نجاح الحوار يرتبط بقوة الأسئلة أم بقدرة الإعلامي على الاستماع؟
بالاثنين، لكن الاستماع هو الذي يصنع السؤال الأقوى. أحيانًا يقول الضيف جملة واحدة تفتح عشرة أسئلة، وإذا لم تكوني مستمعة جيدًا ستفوتك أهم لحظة في الحوار.

كيف تتعاملين مع الضيف الذي يحاول الهروب من الإجابة؟

لا أضغط عليه بطريقة استفزازية من البداية. أعيد صياغة السؤال، أو أواجهه بلطف بما قاله سابقًا، وأترك له فرصة ثانية. وإذا استمر في الهروب، يصبح الهروب نفسه جزءًا من الحوار.

هل تفضلين الحوار الهادئ أم المواجهة الإعلامية عندما تقتضيها طبيعة الموضوع؟
أفضل الحوار الذي يخدم الحقيقة. أحيانًا الهدوء أقوى من المواجهة، وأحيانًا يحتاج الموضوع إلى سؤال مباشر وحازم. الحزم لا يعني العدائية.

ما السؤال الذي يمكن أن يكشف شخصية الضيف بعيدًا عن الإجابات التقليدية؟
أحب الأسئلة التي تجعل الضيف يتحدث عن نفسه من دون أن يشعر أنه في امتحان. مثلًا: «ما القرار الذي اتخذته وغيّر شخصيتك؟» أو «ما الشيء الذي تخشى أن يسيء الناس فهمه عنك؟». هنا ننتقل من الموقف العام إلى الإنسان.

 

من السياسة إلى الفن
انتقلتِ من الملفات السياسية والأخبار إلى البرامج الفنية.. هل كان الانتقال سهلًا؟

لم يكن انتقالًا بالمعنى التقليدي، لأنني لم أعتبر نفسي يومًا إعلامية محصورة في السياسة أو الأخبار. الإعلام بالنسبة إليّ هو القدرة على التعامل مع الموضوع والشخصية. ربما تغيرت طبيعة الضيف، لكن أدوات الحوار والتحضير والاستماع بقيت موجودة.

ماذا اكتشفتِ في الشخصيات الفنية عندما اقتربتِ منها بعيدًا عن الصورة التي تظهر على الشاشة؟
اكتشفت أن الصورة العامة لا تختصر الإنسان. وراء الفنان الذي نراه على المسرح أو الشاشة إنسان لديه مخاوف وتجارب وأحلام وتفاصيل ربما لا يعرفها الجمهور. وهذا تحديدًا ما يجعل الحوار الإنساني مع الفنان ممتعًا.

من خلال تجربتك، هل الفنان أكثر صراحة في الحوار الإنساني أم السياسي؟

أحيانًا الفنان يكون أكثر تحفظًا في حياته الخاصة، والسياسي يكون أكثر حذرًا في مواقفه. لكن عندما يشعر الضيف بالأمان والثقة مع الإعلامي، يمكن أن يصبح الحوار الإنساني صريحًا جدًا، بغض النظر عن مهنته.

هل تختلف طريقة تحضيرك لحوار مع فنان عن تحضيرك لحوار مع سياسي؟
طبعًا تختلف التفاصيل. مع السياسي أركز أكثر على الملف والمواقف والتصريحات والوقائع، بينما مع الفنان أبحث في مسيرته ومحطاته الإنسانية والفنية. لكن القاعدة واحدة: لا أدخل أي حوار من دون تحضير.

 

تجربة الإذاعة
خضتِ تجربة إذاعية من خلال برنامج «عالسمع مع نانسي».. ماذا منحك الميكروفون ولم تمنحك إياه الكاميرا؟

الميكروفون علّمني أن أترك الصورة جانبًا وأن أعتمد على الصوت وحده. في التلفزيون يمكن للكاميرا أن تنقل جزءًا من حضورك، أما في الإذاعة فعليك أن تبني علاقة كاملة مع المستمع بالصوت والنبرة والكلمة والإحساس.

هل تشعرين أن الإذاعة تكشف شخصية الإعلامي الحقيقية أكثر من التلفزيون؟
إلى حد كبير. عندما لا توجد صورة، يصبح المستمع أكثر حساسية تجاه الصدق والنبرة وطريقة الكلام. لا يمكنك الاعتماد على الشكل، بل على شخصيتك الحقيقية.

كيف يمكن للمذيع أن يصنع صورة كاملة لدى المستمع من خلال الصوت وحده؟
بالإحساس والتلوين الصوتي واللغة والإيقاع. الصوت ليس مجرد وسيلة لنقل الكلمات؛ إنه يحمل شخصية المذيع ومشاعره وثقته وحتى توتره.

أيهما أقرب إلى قلبك: أثير الإذاعة أم وهج الشاشة؟
لكل منهما مكان خاص عندي. الشاشة رافقت جزءًا كبيرًا من مسيرتي، لكن للإذاعة حميمية مختلفة جدًا. ربما الشاشة هي الوهج، أما الإذاعة فهي العلاقة الحميمة مع المستمع.

تجربة New Vision وقناة دجلة
ماذا أضافت لك تجربتك عبر New Vision؟

أضافت لي تجربة جديدة في التعامل مع جمهور وقالب مختلفين، وأكدت لي أن الإعلامي الحقيقي يجب أن يكون قادرًا على التكيف مع البيئات والمنصات المختلفة من دون أن يخسر هويته المهنية.

انتقلتِ بعدها إلى العراق عبر قناة دجلة.. كيف وجدتِ التجربة الإعلامية العراقية؟
كانت تجربة غنية ومختلفة، وأعطتني فرصة للتعرف عن قرب إلى المشهد الإعلامي العراقي وإلى طبيعة الجمهور هناك. العمل خارج البيئة التي اعتدت عليها يوسع أفق الإعلامي ويجعله أكثر مرونة وقدرة على فهم الاختلافات.

قدمتِ برنامج «The Queen مع نانسي» الذي تناول المرأة والجمال والموضة والأزياء والتجميل والرياضة.. كيف تعاملتِ مع هذا التنوع؟
تعاملت معه باعتباره مساحة أوسع من الجمال بمعناه التقليدي. المرأة ليست مجرد مظهر، والموضة ليست مجرد ملابس. كان يهمني أن يكون هناك حديث عن الثقة بالنفس، الصحة، الثقافة، أسلوب الحياة، والنجاح أيضًا.

هل ترين أن برامج المرأة والجمال يمكن أن تحمل مضمونًا ثقافيًا واجتماعيًا يتجاوز الشكل والمظهر؟
بالتأكيد. المرأة موضوع متكامل. يمكن أن نبدأ من الموضة ونصل إلى الثقة بالنفس، ومن الجمال إلى الصحة، ومن الرياضة إلى الوعي، ومن الصورة الخارجية إلى قيمة الإنسان ومكانته.

ما الذي جذبك إلى تقديم برنامج يجمع بين الجمال والمرأة والموضة والرياضة؟
التنوع نفسه. كنت أريد أن أخوض مساحة مختلفة عن السياسة والأخبار، من دون أن أتخلى عن هويتي كإعلامية. وأعتقد أن الإعلامي الناجح يستطيع الانتقال بين الملفات عندما يمتلك الثقافة وأدوات الحوار.

المرأة والإعلام
كيف تنظرين إلى حضور المرأة اللبنانية والعربية في المشهد الإعلامي اليوم؟
الحضور كبير ومؤثر، وأعتقد أن المرأة العربية أثبتت أنها قادرة على المنافسة في كل المجالات الإعلامية. لكنني دائمًا أقول إن الوصول إلى الشاشة قد يكون أسهل من الحفاظ على المكان فيها. الاستمرارية هي الاختبار الحقيقي.

هل تعتقدين أن الإعلامية تواجه تحديات إضافية لإثبات حضورها المهني؟
نعم، وأحيانًا يكون عليها أن تثبت نفسها أكثر من مرة. لكنني لا أحب أن نتعامل مع المرأة دائمًا باعتبارها ضحية. المرأة القوية تعرف كيف تحول التحديات إلى دافع، وكيف تفرض احترامها من خلال مهنيتها.

برأيك، هل جمال الإعلامية يمكن أن يكون بوابة للحضور أم أن الاستمرار لا يصنعه سوى المحتوى والكفاءة؟
الجمال قد يفتح بابًا، لكنه لا يستطيع أن يبني مسيرة. الكاميرا قد تتوقف عند الشكل في البداية، لكنها لا تستطيع أن تخفي ضعف المحتوى طويلًا. ما يبقى هو الثقافة، الشخصية، المهنية، والقدرة على التطور.

ما الصفات التي يجب أن تمتلكها الإعلامية الشابة حتى تستطيع بناء اسم حقيقي في الوسط الإعلامي؟

الثقافة أولًا، ثم الثقة بالنفس من دون غرور، واللغة الجيدة، والفضول، والقدرة على التعلم. وأهم شيء ألا تحاول أن تكون نسخة عن إعلامية أخرى. الشخصية الإعلامية الحقيقية تُبنى مع الوقت.

الثقافة والتعليم والتدريب
إلى أي مدى ساعدتك دراستك في العلوم السياسية في عملك الإعلامي؟

الدراسة الأكاديمية أعطتني خلفية تساعدني على فهم الملفات، خصوصًا عندما عملت في السياسة والأخبار. الإعلامي لا يكفيه أن يعرف كيف يسأل؛ يجب أن يعرف ماذا يسأل ولماذا يسأل.

ماذا أضافت لك دراسة الإدارة التربوية إلى تجربتك المهنية؟
أضافت لي كثيرًا في فهم عملية التعليم والتدريب والتواصل مع المتدربين. وربما لهذا السبب وجدت نفسي لاحقًا في التدريب الإعلامي، لأنني أحب نقل الخبرة وليس فقط ممارستها.

كيف تنظرين إلى أهمية الدراسة الأكاديمية بالنسبة للإعلامي؟
الدراسة ليست بديلًا عن الموهبة، لكنها تمنح الموهبة أساسًا أقوى. الإعلامي الذي يملك أدوات المهنة من دون ثقافة قد ينجح لفترة، لكن بناء مسيرة طويلة يحتاج إلى معرفة مستمرة وتعلم دائم.

من خلال خبرتك في التدريب الإعلامي ما أكثر الأخطاء التي تلاحظينها لدى المبتدئين؟
أكثر ما أراه هو التركيز على الظهور قبل التركيز على المحتوى. بعض المبتدئين يريدون أن يصبحوا مذيعين قبل أن يتعلموا كيف يكونون إعلاميين. وهناك أيضًا مشكلة في اللغة، وفي ضعف القراءة والتحضير، وأحيانًا الخلط بين الثقة بالنفس والغرور.

هل يمكن صناعة إعلامي ناجح بالتدريب وحده أم أن الموهبة والثقافة عنصران لا غنى عنهما؟
التدريب يصقل، لكنه لا يخلق كل شيء من الصفر. أؤمن بوجود الموهبة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. هناك مثلث أعتبره أساسيًا: الموهبة، الثقافة، والتدريب. وإذا غاب أحدها، تبقى الصورة ناقصة.

الإعلام في عصر السوشيال ميديا
كيف ترين تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في صناعة الإعلام اليوم؟
غيّرت قواعد اللعبة بالكامل. اليوم أصبح الخبر يصل إلى الجمهور بسرعة هائلة، وأصبح الجمهور نفسه شريكًا في صناعة المحتوى. لكنها في الوقت نفسه جعلت مسؤولية الإعلامي أكبر، لأن كمية المعلومات لا تعني بالضرورة كمية أكبر من الحقيقة.

هل أصبحت الشهرة على منصات التواصل تنافس الخبرة المهنية للإعلامي؟
أصبحت تنافسها في بعض المساحات، نعم. لكن الشهرة ليست بالضرورة مهنية. قد تصنع المنصات شخصًا مشهورًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه تاريخًا أو خبرة.

كيف يمكن للإعلامي أن يحافظ على مصداقيته وسط سيل الأخبار والمعلومات غير الموثوقة؟
بأن يتعلم أن يقول «لا أعرف» عندما لا يعرف، وأن يتحقق قبل أن ينشر، وألا يسمح لرغبة السبق بأن تجعله يضحي بالحقيقة. المصداقية تُبنى ببطء ويمكن أن تضيع في لحظة.

هل تعتقدين أن سرعة النشر أصبحت أحيانًا أهم من دقة الخبر؟
للأسف نعم، وهذا من أخطر تحديات الإعلام اليوم. لكنني ما زلت أؤمن بأن الجمهور في النهاية يميز بين من ينقل لمجرد السبق ومن يقدم معلومة يمكن الوثوق بها.

نانسي الإنسانة خلف الشاشة
من هي نانسي السيد بعيدًا عن الكاميرا والاستديو؟

أنا إنسانة أحب البساطة والهدوء، وأقدّر العلاقات الحقيقية جدًا. بعيدًا عن الكاميرا لا أعيش دائمًا تلك الصورة التي يراها الناس على الشاشة. هناك نانسي التي تضحك، وتتعب، وتقلق، وتعيد حساباتها، وتحب أن تتعلم وتطور نفسها مثل أي إنسان.

ما الجانب في شخصيتك الذي لا يعرفه الجمهور؟
ربما أنني أكثر حساسية مما أظهر على الشاشة، وفي الوقت نفسه أمتلك إصرارًا كبيرًا. قد أمر بظرف صعب، لكنني لا أحب أن أجعل الجمهور يرى انكساري. أؤمن أن القوة لا تعني ألا نتعب، بل أن نعرف كيف نكمل.

كيف تحافظين على التوازن بين حياتك المهنية وحياتك الخاصة؟
ليس الأمر سهلًا، خصوصًا في مهنة تستهلك الوقت والطاقة. لكن مع السنوات تعلمت أن العمل مهما كان مهمًا لا يجب أن يأخذ كل المساحة من الحياة. الإنسان يحتاج إلى عائلته وراحته ومساحته الخاصة حتى يستطيع أن يعطي في عمله.

ما أكثر موقف إعلامي بقي عالقًا في ذاكرتك حتى اليوم؟
هناك الكثير من المواقف، لكن أكثر ما يبقى معي هو اللحظات التي أشعر فيها أن الحوار تجاوز حدود الاستديو ووصل فعلًا إلى الناس. عندما أعرف أن سؤالًا طرحته جعل قضية ما تُناقش أو جعل ضيفًا يقول شيئًا لم يكن ليقوله في الظروف العادية، أشعر بقيمة المهنة.

هل مررتِ بمرحلة فكرتِ فيها بالابتعاد عن الإعلام؟
طبعًا، الإنسان في أي مهنة يمر بلحظات تعب وإحباط. فكرت أحيانًا في الابتعاد أو تغيير الاتجاه، لكنني في كل مرة كنت أكتشف أن الإعلام جزء أساسي مني. ربما أبتعد عن شاشة أو برنامج، لكنني لا أبتعد عن الإعلام نفسه.

من الأشخاص الذين تركوا أثرًا حقيقيًا في مسيرتك المهنية؟
هناك أشخاص كثيرون ساهموا بطريقة أو بأخرى في تكوين تجربتي، سواء من عملت معهم أو تعلمت منهم أو حتى اختلفت معهم. أنا أؤمن أن كل شخص نلتقيه مهنيًا يترك لنا درسًا، حتى لو لم نكتشف قيمته في لحظته.

الطموح والمستقبل
بعد سنوات طويلة في الإعلام ما الذي ما زلتِ تبحثين عنه؟

ما زلت أبحث عن التجربة التي تجعلني أشعر أنني أقدم شيئًا جديدًا. لا أبحث فقط عن برنامج جديد أو شاشة جديدة، بل عن قيمة مضافة. أريد أن أشعر أن وجودي الإعلامي له معنى، وأن السنوات التي قضيتها في المهنة تتحول إلى خبرة يستفيد منها الآخرون.

هل هناك برنامج أو مشروع إعلامي تتمنين تقديمه ولم تتح لك الفرصة بعد؟
نعم، لدي أفكار كثيرة، وأحب تحديدًا البرامج التي تجمع بين الحوار الإنساني والثقافة والملفات الاجتماعية، بعيدًا عن السطحية. أعتقد أن الجمهور اليوم يحتاج إلى محتوى ذكي، لكن بطريقة قريبة منه وغير متعالية.

كيف ترين مستقبل الإعلام العربي خلال السنوات المقبلة؟
سيكون أكثر سرعة وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، لكنني أعتقد أن الحاجة إلى الإعلامي الحقيقي لن تختفي. التكنولوجيا تستطيع أن تساعد في صناعة المحتوى، لكنها لا تستطيع أن تستبدل الوعي والحس الإنساني والحكم المهني بالكامل.

ما طموحك القادم على مستوى التلفزيون والإذاعة والتدريب؟
أطمح إلى مشروع يجمع بين خبرتي في الشاشة والإذاعة والحوار والتدريب. أريد أن أستثمر السنوات الطويلة التي أمضيتها في المهنة في صناعة محتوى جيد، وفي نقل الخبرة إلى جيل جديد من الإعلاميين.

لو عاد بك الزمن إلى عام 2005 هل ستختارين الإعلام مرة أخرى؟
دون تردد. ربما كنت سأدخل إليه بوعي أكبر وبخوف أقل، لكنني سأختار الإعلام مرة أخرى. هذه المهنة أتعبتني أحيانًا، لكنها أعطتني الكثير، والأهم أنها عرّفتني إلى عدد لا يحصى من الناس والتجارب والحكايات.

ماذا تقولين للفتاة اللبنانية والعربية التي تحلم اليوم بأن تصبح إعلامية؟
أقول لها: لا تركضي وراء الكاميرا، اجعلي الكاميرا تبحث عنك. اقرئي، تعلّمي، درّبي نفسك، واحترمي مهنتك. لا تجعلي الشكل هو مشروعك الوحيد، لأن الشكل يتغير، أما الشخصية والثقافة والخبرة فتكبر معك. والأهم: لا تستعجلي النتيجة، لأن الاسم الحقيقي يحتاج إلى وقت.

تكريم مهرجان عيون 2025
كيف تصفين لنا مشاركتك في الدورة السابعة عشرة من مهرجان عيون لعام 2025، خصوصًا بعد تكريمك؟
كانت مشاركتي في الدورة السابعة عشرة من مهرجان عيون لعام 2025 محطة مميزة جدًا في مسيرتي، وحملت بالنسبة إليّ قيمة معنوية كبيرة، خصوصًا أن المهرجان يحتفي بالإبداع والإعلام والفن ويجمع نخبة من الشخصيات المؤثرة في هذه المجالات. أما التكريم فكان لحظة مؤثرة أشعرتني بأن سنوات العمل والتعب والتجارب لم تذهب سدى، وأن هناك من يقدّر الجهد الذي يبذله الإعلامي خلف الشاشة.
أشعر بامتنان كبير لهذا التكريم، لأنه لا يمثلني وحدي، بل يمثل كل شخص دعمني وآمن بي خلال مسيرتي، وكل فريق عمل شاركني نجاحاتي وتحدياتي. التكريم يمنح الإنسان فرحًا، لكنه في الوقت نفسه يحمّله مسؤولية أكبر للاستمرار وتقديم الأفضل.
كانت أجواء المهرجان جميلة ومليئة بالمحبة، وسعدت بلقاء زملاء وأصدقاء وشخصيات لها حضورها وتجاربها المهمة. مثل هذه الفعاليات تذكّرنا بأن الإعلام والفن ليسا مجرد مهن، بل رسالتان قادرتان على التأثير في المجتمع وصناعة الوعي والجمال.
أعتبر هذا التكريم حافزًا جديدًا لي، ودافعًا لمواصلة العمل والتطور، لأن أجمل ما يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يشعر بأن ما يقدمه يترك أثرًا طيبًا لدى الناس.

 

السؤال الأخير
عندما تُغلق الكاميرات وينتهي البث ماذا يعني لكِ لقب «نانسي السيد» بعد كل هذه السنوات من العمل الإعلامي

؟
يعني لي رحلة طويلة من التعب والتعلم والتجارب والنجاحات والإخفاقات. «نانسي السيد» بالنسبة إليّ ليست فقط الاسم الذي يظهر على الشاشة؛ هي امرأة بدأت حلمًا منذ سنوات وما زالت تؤمن أن لديها الكثير لتقدمه.
بعد كل هذه السنوات، لم يعد يهمني فقط كم مرة ظهرت على الشاشة، بل ماذا تركت خلف هذا الظهور. هل كنت مهنية؟ هل احترمت عقل المشاهد؟ هل قدمت حوارًا يستحق أن يُسمع؟ وهل استطعت أن أكون إضافة حقيقية في المكان الذي عملت فيه؟
وعندما تنطفئ الكاميرا، تبقى نانسي الإنسانة، بكل ما فيها من أحلام وأسئلة وطموح. وربما أجمل ما في هذه الرحلة أنني، رغم كل ما مررت به، ما زلت أحب الإعلام، وما زلت أشعر أن لديّ ما أقوله.

حوار:عباس الصائغ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.